ابن حجر العسقلاني

15

تلخيص الحبير ( ط العلمية )

طريقاً يلتمس فيه علماً سهل له به طريقاً إلى الجنة " 1 وقبل أن أبين أهداف الرحلة عند المحدثين يجدر بي أن أقف عند قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ومسجدي هذا " ووجه الاستدلال أن هذه المساجد الثلاثة مساوية لسائر المساجد في المسجدية ، فما ميزها عن سائر المساجد بشد الرحال إليها ، وطلب زيارتها للعبادة فيها إلا أنها مباني النبيين ومعاهدهم ، وأمكنة غالب عبادتهم وإرشاداتهم عليهم الصلاة والسلام ، فإذا طلبت زيارتها بهذا الحديث كانت زيارة أصحابها أولى 2 بالطلب وأحق بشد الرحال إليها ، وهذا الاستدلال من قبيل الاستدلال بمفهوم الموافقة الذي هو أولى كما يقول الأصوليون ، وذلك أمر واضح لمن نور الله بصيرته ، ومن فهم من هذا الحديث منع شد الرحال لزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم أو زيارة القبور فقد وهم وما فهم . ويدخل تحت " شد الرحال " طلب العلم والرحلة لطلب الحديث للتأكد من صحة متنه أو لعلو إسناده أو لمثانته ، ويدخل تحت هذا المعنى الهجرة لهذه الأسباب لقوله تعالى : { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } [ النساء : 100 ] كما أن الاستثناء المفرغ كما في هذا الحديث يجب أن يكون فيه المستثنى من جنس المستثني منه القريب أو البعيد والقريب أولى بالتقدير ؛ فالمعنى لا تشد الرحال إلى مسجد أو إلى أي مكان ، والزيارة أو الرحلة في طلب العلم لا تدخل في واحد منهما حتى يتوجه النفي إليها . وقال الحافظ العراقي : من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد منه حكم إلى مساجد فقط ، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة أي لكونها أبنية الأنبياء . وأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه ونحو ذلك فليس داخلاً فيه ، وقد ورد ذلك مصرحاً به في رواية أحمد ولفظه : " لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا " 3 . وقال الشيخ تقي الدين السبكي : ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة ، وأما غيرها من البلاد ؛ فلا تشد إليها لذاتها بل لزيارة أو

--> 1 من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم 4 / 2074 في كتاب الذكر والدعاء : باب " فضل الاجتماع على تلاوة القرآن " ، حديث " 38 / 2699 " ، وابن ماجة باب " فضائل العلماء والحث على طلب العلم " حديث " 225 " . 2 الزيارة الشرعية المنصوص عليها في الكتب الصحيحة - معاذ الله ! - أن نبيح الطواف بالقبور والتبرك بها وشد الرحال إليها تعبداً . 3 من حدث أبي سعيد الخدري أخرجه أحمد في " المسند " 1 / 64 ، وانظر كلام الشيخ الألباني على الحديث في " إرواء الغليل " 3 / 230 .